المقريزي

428

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

هنيئا فإنّ السعد جاء مخلدا * وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله الخلق فتحا لنا بدا * مبينا وإنعاما وعزا مؤبدا تهلل وجه الأرض بعد قطوبه * وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا ولما طغى البحر الخضمّ بأهله ال * طغاة وأضحى بالمراكب مزبدا أقام لهذا الدين من سلّ عزمه * صقيلا كما سلّ الحسام المهندا فلم ينج إلا كل شلو مجدّل * ثوى منهم أو من تراه مقيدا ونادى لسان الكون في الأرض رافعا * عقيرته في الخافقين ومنشدا أعباد عيسى إنّ عيسى وحزبه * وموسى جميعا ينصران محمدا فكانت هذه الليلة بالمنصورة ، من أحسن ليلة مرّت لملك من الملوك ، وكان عند إنشاده يشير إذا قال عيسى إلى عيسى المعظم ، وإذا قال موسى إلى موسى الأشرف ، وإذا قال محمدا إلى السلطان الملك الكامل ، وقد قيل : إنّ الذي أنشد هذه الأبيات إنما هو راجح المحلي الشاعر . العباسة « 1 » هذه القرية فيما بين بلبيس والصالحية ، من أرض السدير لم يزل منتزها لملوك مصر ، وبها ولد العباس بن أحمد بن طولون ، فسماه لذلك أبوه العباس ، وولد بها أيضا الملك الأمجد تقيّ الدين عباس بن العادل أبي بكر بن أيوب ، وكان الملك الكامل محمد بن العادل يقيم بها كثيرا ، ويقول : هذه تعلو مصر إذا أقمت بها أصطاد الطير من السماء ، والسمك من الماء ، والوحش من الفضاء ، ويصل الخبز من قلعة الجبل إليّ بها في قلعتي ، وهو سخن ، وبنى بها آدرا ومناظر وبساتين ، وبنى أمراؤه بها أيضا عدّة مساكن في البساتين ، ولم تزل العباسة على ذلك حتى أنشأ الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل ، المنزلة الصالحية ، فتلاشى حينئذ أمر العباسة ، وخربت المناظر في سلطنة الملك المعز أيبك . فلما كانت سلطنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ، مرّ على السدير ، وهو فم الوادي ، فأعجب به وبنى في موضع اختاره منه قرية سماها الظاهرية ، وأنشأ بها جامعا ، وذلك في سنة ست وستين وستمائة . وسميت : بالعباسة بنت أحمد بن طولون ، فإنها خرجت إلى هذا الموضع مودّعة لبنت أخيها ، قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون ، لما حملت إلى المعتضد ، وضربت

--> ( 1 ) العباسة : بليدة أول ما يلقي القاصد لمصر من الشام بينها وبين القاهرة خمسة عشر فرسخا سميت بعباسة بنت أحمد بن طولون . معجم البلدان ج 4 / 75 .